عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

36

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وقال المهلب : « لحم وارد على غير قرم ، هذا الموت الأحمر » . وذكر هرم بن قطبة اللحم فقال : « وانه ليقتل السباع » . وقالت العرب : « أهلك الرجال الأحمران : اللحم والخمر وأهلك النساء الأحمران : الذهب والزعفران « 1 » » . ومما لا شك فيه أن في هذه الأقوال كثيرا من الحكمة الطبية والصحة العلمية التي أثبتها الآن العلم الحديث والنظريات الغربية الحديثة في حفظ الصحة وشروط الغذاء . وقد سبق أجدادنا العرب باحثي الغرب وعلماءهم في ايضاح العلاقة بين الغذاء والداء ودعوا إلى ضرورة الاحتماء من التخمة والبطنة . فجعلوا كل افراط في الطعام مدعاة إلى نوع من الأمراض . لذلك قسموا الغذاء إلى مراتب ثلاثة : أحدها مرتبة الحاجة ، والثانية مرتبة الكفاية والثالثة مرتبة الفضيلة . واستنادا لهذا التقسيم جعلوا الأمراض نوعين : أمراض مادية ناتجة عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية وهي الأمراض الأكثرية ، وسببها ادخال الطعام على البدن قبل هضم الأول ، والأمراض الثانية : هي الأمراض الناتجة عن الزيادة في القدر الذي يحتاج اليه البدن ، وتناول الأغذية القليلة النفع ، البطيئة الهضم ، والاكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة . فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك أورثته أمراضا متنوعة منها بطيء الزوال أو سريعه « 2 » . وقد فطن العرب إلى أن الغذاء والدواء يختلفان باختلاف البيئة وباختلاف الأفراد ، وأن للعادات تأثيرا كبيرا في الانتفاع بها ، وأن ملاءمة الأغذية والأدوية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها ، وأن هذا أصل عظيم من أصول العلاج وأنفع شيء فيه ، وإذا أخطأه الطبيب ضرّ المريض من حيث يظن أنه ينفعه . لذلك نجد أن أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر ، والورد الطري ولا المغلي ولا يؤثر في طباعهم شيئا . وهذه ناحية هامة جدا يجب مراعاتها في أصول العلاج والغذاء وقد صرح بها طبيب العرب ، بل أطبهم الحارث بن كلدة وكان فيهم كأبقراط في قومه حين قال : « الحمية رأس الدواء ، والمعدة بيت الداء ، وعودوا كل بدن ما اعتاد « 3 » » .

--> ( 1 ) البخلاء ص 100 تحقيق المحامي فتحي العطوي - ط : الشركة اللبنانية للكتاب وطبعة دار المعارف بمصر تحقيق طه الحاجري . ( 2 ) الطب النبوي لابن قيم الجوزية ص 12 توزيع المكتبة الأدبية . ( 3 ) الطب النبوي لابن قيم الجوزية : ص 93 .